أعمدة الرأيعـــاجلوطني

همسات في آذان القائمين على التربية

 

بقلم محمد بوخطة : المدير الأسبق للموارد البشرية بوزارة التربية الوطنية” 

… وحتى حين تلتزم الصمت، تستفزك الضحالة الفكرية والرداءة الوظيفية حين تتجسد في خيارات وقرارات ظاهرها الحرص والإبداع، وباطنها من قِبَلِه القصور والفراغ … ستضطر للحديث لعل بوصلة هؤلاء تسترجع مسارها، فالشأن العام يبقى مسؤولية جميع من يعلم وليس حكراً على من يمارسه بحكم المنصب أو السلطة...

الرقمنة، التوظيف، التعاقد، القانون الخاص … كلها قضايا ما يكاد يُنسى حديثها حتى يتجدد، لتلتهم الوسيلةُ الغايةَ وُيغَيِّب الفرعُ الأصلَ ويَطغى الاستثناءُ على القاعدة.

هل من سبيل لإزالة اللبس وتصحيح المسار ووضع الأمور في نصابها

حديث الرقمنة حديث مغرٍ يوحي بالحداثة والتطور ويوهمك بأن صاحبه من العالم الأول، لا من عالَمنا، غير أن الحقيقة مختلفة عن ذلك تماماً..

الرقمنة أو الرقمية ليست غاية في حد ذاتها، إنما هي وسيلة لخدمة عمومية تقدمها الإدارة للمواطن، هي ليست قيمة (من القِيَم) في حد ذاتها، بل هي وسيلةٌ تجسد عقيدةَ الإدارة التي تمارسها، وتعبر عن القيم التي تؤمن بها تلك الإدارة، وترغب في تحقيقها، فإذا كانت عقيدة الإدارة مفعمة بأخلاق الدولة مُبتغية خدمة المواطن، شفافة، منصفة… فستجعل في الرقمية خير وسيلة لتحقيق ذلك…

أما إذا كانت عقيدة الإدارة متعطشة للسلطة، مهوسة بعشقها، مغرمة باستظهار ذلك على مُستخدَمِيها… فستكون الرقمنة عرَضاً خبيثاً معبراً عن حالة مرضية يحملها القائم على الإدارة والوصي عليها…

إن الرقمنة لم ولن تكون بديلاً عن السلوك البشري ولا متحكمة فيه، إنه صانعها والمتحكم فيها… ليبقى الاستثمار في جدارة المسؤول وكفاءاته القيادية المعيار الحقيقي للاستفادة من أية وسيلة…

حين يَسْلم مقصَدُ الإدارة فإن الرقمنة تعني الآتي:

أولاً: انضباط المعايير وعدالتها بتحولها إلى ميكانيزمات (ألية) مستبعِدةً ـ ما أمكن ـ التأثيرات الذاتية التي لا ينفك عنها السلوك البشري مهما تجرد، ذلك بفسح المجال أمام النظام الآلي ليحل محل الموظف …

ثانياً: تحقيق الشفافية المطلوبة في العمليات وسهولة الاحتفاظ بتفاصيلها، ويسر الاطلاع عليها، ذلك يفسح المجال أمام الرقابة البعدية ويجعلها سهلة ميسرة …

ثالثاً: سيولة المعلومة وقدرة الإدارة والمتعامل على الاطلاع عليها، من ثم يصير التواصل سريعاً وغير مكلف.. سيكون ذلك حاسماً في اقتصاد الوقت والجهد

رابعاً: تقريب الإدارة من المواطن وتخفيف الضغط عليه، إنه هدف سام لكل إدارة صادقة في خدمته مواطنيها.

خامساً: تحقيق قدر مُهِمٍ من الإنضباط والانسجام وتكافؤ الفرص في أداء الإدارة، فيما يشبه المركزية المرنة والناجعة.

الرقمنة ووزارة التربية الوطنية

إن المتتبع لمسار هذه العملية في مجال التربية يدرك تماماً أنها تعبر عن رغبة مبطنة في مَرْكَزَة تسيير مختلف العمليات ضاربة عرض الحائط بمختلف القوانين والتشريعات ذات الصلة بالمجال، متجاهلة توجيهات رئيس الجمهورية في كل مرة للولاة بضرورة لا مركزية التسيير وتحرير المسير من القيود البيروقراطية الجامدة..

بدل أن تتحول مديريات التربية إلى وزارات مصغّرة في مرونتها وسرعة أدائها، تحولت الإدارة المركزية لوزارة التربية الوطنية في حد ذاتها إلى مديرية تربية كبيرة ألغت دور مصالحها الخارجية، وأصبح المسؤول المركزي يمارس مهام رؤساء المكتب في مديريات التربية.. بل لم يعد لمديري التربية في الولايات دور يُذكر في الإدارة والتسيير وما يقتضيه تفويض سلطة التعيين والتسيير المنصوص عليه قانوناً من أجل حسن سير المرفق العمومي ومرونته وسرعة أدائه…

إن دور المسؤولين المركزيين فيما يتعلق بالتسيير الخارجي يجب أن ينصرف إلى المتابعة لا الممارسة، أما جهدهم الأكبر فيجب أن ينصرف إلى بناء الاستراتيجيات واقتراح السياسات لمؤازرة السلطات العليا وإعانتها على أداء مهمتها في قيادة البلد إلى الأحسن، لا أن يتحولوا إلى عبء عليها…

لم يعد للرقمنة معنى مع بطء العمليات وتعقيدها أكثر من: المركزة واحتكار سلطة التسيير وهدر الطاقات الموزعة في مختلف الإدارات وعدم الاستفادة منها.

إن محاولة فهم هذه الوضعية بتفكيك مركباتها يشي بتصور غريب للقائمين عليها:

ـ إن الإصرار على مركزة السلطة واحتكارها قد يكون ظاهرُهُ حرص ومثالية، ولكن باطنه جموح تعطّش للسلطة التبس على أصحابه فأوهمهم المثالية، إن الذي يعتقد أنه يضيء البلد وحده وأنه الصالح الوحيد والمستقيم الأوحد مكانه مصحة نفسية تُقوِّم فكره وسلوكه… إنه حال من اعتقد نفسه سقفاً للفكر، وسقفاً للإبداع… تتوقف دونه العقول والأفكار…

ـ إن اللاثقة التي يتعامل بها هؤلاء مع معاونيهم وكأنهم فوق إرادتهم، والحقيقة غير ذلك تماماً.

ـ إن لامركزية الأداء الإداري قائمة أساساً على ضرورة تقديم خِدمة سريعة بأسلوب بسيط، في ظل اتساع البناء الاجتماعي وتعقد الخدمات وتشعبات البيروقراطية… إنها مظهر من مظاهر تطور الفكر الإنساني من تصور القبيلة إلى ثقافة الدولة.

ـ إن المسير الناجح هو الذي يُفلح في صناعة وسط وظيفي مريح ومنتج في مزيج منسجم بين ودٍ لا يتجاوز المقامات، وانضباط لا يفسد العلاقات، وصرامة لا تقتل روح المبادرة والابداع

ـ إن المسير الناجع هو الذي يعرف كيف يستنفر الطاقات البشرية من حوله ليستخرج أفضل ما في مكامِنِها خدمة للمشروع العام، متحرراً من “أَنَاه” متجرداً من ذاتيته.

إنني عندما أختزل المحيط في ذاتي، وأصنع من حولي هالة من الخوف والرهبة والبيروقراطية المعقدة، منفرة، قاتلة للرغبة في العمل، والتفكير في التجديد، قد أكون أرضيت أنانيتي، لكنني أبداً بذلك لن أترك أثراً ولن أخدم وطناً وسيندثر ذكري مع الأيام.

إنني حين أسلك نسقاً مثل هذا في التفكير والإدارة فأنا مجرد هاوٍ عابثٍ لا محترفٍ حكيم.

أو حتى حين يطغى على تفكيري الهاجس الأمني في غير محله، وأُوغل وأبالغ في البحث عن الأوضاع المثالية ـ التي لم تتحقق حتى في مجتمعات النُّبُوة ـ فأن النتيجة لن تكون أفضل.

المجتمعات لن تتحول إلى ملائكية في يوم ما… الفساد لن ينعدم، والظلم لن ينتهي، والعدالة المطلقة لن تتحقق… ولكن تقدم الدول يُقاس بمدى قدرتها على تضييق دائرة الآفات المختلفة، وعبقرية المسؤولين تكمن في مدى قدرتهم على إبداع السبل لتحقيق ذلك دون تعطيل الخدمات وعرقلة مسارات المجتمع…

التوظيف والتعاقد والتوظيف بالتعاقد

لم أستبشر خيراً حين قرأتُ أن وزارة التربية الوطنية قد استحدثت منصةً رقمية لتوظيف المتعاقدين، ليس لأني متخلف تستعبدني “الورقية” ولا لأني أخشى “الشفافية” … لا تستعجل في الحكم على موقفي حتى تستكمل قراءة البقية…

إنه مشهد محزن في التعبير عن كيفية تحويل الممنوعات إلى مباحات، وترسيم والاستثناءات إلى قواعد، ليس لأن القاعدة متعذرة، ولكن لأننا أهملناها أو تعمدنا تجاوزها…

إن التوظيف في قطاع التربية الوطنية، كما تقتضيه الجودة التربوية، وكما تنص عليه التشريعات المختلفة دون أي لبس أو غموض ينحصر في منتوج التكوين المتخصص الذي تُخرِّجه المدارس العليا للأساتذة وفق دفتر شروط تُعدُّه أصالة وزارة التربية الوطنية. لا يخفى على مهتم ما لذلك من خطير الأثر على النظام التربوي، بل على مستقبل المجتمع والدولة.

والسؤال الملح والذي لن ننفك نطرحه: ألم تجد وزارة التربية الوطنية وسيلة لتحقيق كفايتها في التأطير التربوي المتخصص الذي تنتجه المدارس العليا للأساتذة؟

وهل الرقمية تصلح لتوظيف المتعاقدين ولا تصلح لضبط التعبير عن الاحتياج في التأطير التربوي على المدى المتوسط والبعيد وتنسيق العمل مع وزارة التعليم العالي لسدِّه؟

قد نكون مخطئين في حقكم إذا اتهمناكم بالتقصير في هذا ولكن كما يقول المثل “ورّونا حنّة أيديكم” وسنكون عوناً لكم، بل سنطبل لكم بفخر واعتزاز، أم هو استمرار لمشروع “بن غبريط” في ضرب المدارس العليا للأساتذة والتكوين المتخصص الذي لم ولن يرتقي التعليم بدونه.

    وتكراراً، ولمن لم يعلم فليقرأ الآتي:

إن الوثائق الأولى للإصلاحات التربوية تنص على أن التوظيف في سلك التدريس يقع حصراً في منتوج التكوين المتخصص من خلال مدارس عليا توفر مدرسا بمواصفات خاصة يتضمنها دفتر الشروط تبادر به وزارة التربية الوطنية، تحت الوصاية البيداغوجية لوزارة التعليم العالي، التي تضمن صفة الشهادة العليا لمنتوج هذا التكوين، من هنا نشأت رتب التدريس في مراحله الثلاث، هذا ما نص عليه المرسوم التنفيذي 02 ـ 319 المؤرخ في 14 أكتوبر سنة 2002 لا سيما المادة 3 منه.

وهو ما كرَّسه المرسوم التنفيذي: 08 ـ 315 المعدل والمتمم بالمرسوم: 12 ـ 240 لا سيما المواد 43 ،56، 71. والتي أجمعت على أن التوظيف يقع حصراً في خريجي المدارس العليا للأساتذة، واستثناء وحال الضرورة يقع من خلال مسابقات التوظيف التي يؤطرها المرسوم التنفيذي: 12 ـ 194 والقرار الوزاري المشترك المحدد للمؤهلات في كل رتبة ـ والذي وقع العبث به هو الأخر ـ ليأتي بعد ذلك نظام التعاقد وفق المادة 20 من الأمر 06 ـ 03، والتي نصت على تطبيقاتها التعليمة رقم واحد الصادرة عن المديرية العامة للوظيفة العمومية.

التبرير الآني والبليد جداً يقول: إن منتوج التكوين المتخصص لم يسد حاجة القطاع

لكن السؤال الجاد، المشروع والمنهجي: ماذا فعلتم ـ على مدى ممارستكم للمسؤولية ـ وماهي خطتكم من أجل توسيع شبكة المدارس العليا وتحقيق الكفاية المطلوبة للارتقاء بالنظام التربوي؟  نتمنى أن نسمع جواباً مقنعاً وليس أمامنا غير الانصاف.

لاحظ معي أن قصة التعاقد هذه فرع من فرع يمكن أن تعالج عند الحاجة على مستوى المؤسسة التربوية وليس حتى على مستوى المديرية، أن تشهر لها الوزارة وتقيم لها منصة رقمية وتضيع وقتاً وجهداً كان الأولى أن تصرفه في معالجة الأسباب التي ألجأتها إليها فتلك قصة غريبة…

أين الخلل يا ترى؟

   لقد كنا ولا زلنا نتخذ من علاقتنا مع المديرية العامة للوظيفة العمومية شماعةً نعلق عليها فشلنا وتقصيرنا، أسمح لنفسي هنا إنصافاً وقد تعاملت مع إطاراتها فترة من الزمن أن أقول: إنهم من أرقى من عرفت كفاءة وتفهماً وتفاعلاً وأخلاق دولة، ولكنا نحن العاجزون عن تشخيص مشكلاتنا واقتراح الحلول المناسبة لنا.. ذلك دورنا وليس لغيرنا.

إن قصة التعاقد هذه حين نحسن الظن بها فهي أشبه بفعل “روبن هود” الذي كان يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء…

ومسلسل “القانون الخاص”

مضى على فتح هذا الملف ما يزيد عن السنوات العشر، ولا زال يراوح مكانه لأسباب شرحت طرفا منها في مقالات مطوّلة سابقة…

وعوداً هنا وعلى خفيف أقول:

لعل بعضاً ممن أشاروا على الوزير الأسبق – رحمة الله عليه – بفتح الملف ـ نكاية فيمن قبله ـ لم يكونوا يعبرون عن قناعة فكرية تربوية أو فلسفية بل ربما كانت بحسابات لا يَحْسُنُ الخوض فيها.. ولعل بعضاَ منهم يتولون المسؤولية اليوم وقد وقعوا في خير أعمالهم…

ما يكاد يحل هلال موعد إلا غُمَّ ليتجدد موعد آخر.. ويتكرر الترحيل من جديد.

كثير من المهتمين حين يسألوني كلما تحدد موعد جزمت لهم أنه سيتأجل مرة أخري ليس عبقرية مني ولكن لأن وزارة التربية بيتي الذي أعرفه وأهله جيدا.

لا أعتقد أن الإدارة الحالية في الوزارة تملك تصورا تربويا فكريا، أو فلسفيا يكسبها الجرأة على المبادرة، ومن يملكه منهم فإن السقف المنخفض يصدم رؤوسهم ويقطع ألسنتهم…

أما آن الأوان لإنصاف الحقيقة:

لو كانت تملكه لما أخلفت كل الآجال وآخرها: أَجَل (31/12/2022) الذي حدده السيد رئيس الجمهورية ،ولكنها أخلفته لأن “فاقد الشيء لا يعطيه”، ولأن الالتزام والجرأة هي ثمرة  الكفاءة و الجدارة والنزاهة لا الديماغوجية والتسويف ومراوغة الآخر.

كم نحن بحاجة إلى إعادة بناء علاقات عمل جديدة عمودها الكفاءة والصراحة والصدق والالتزام وتقديس المصلحة العامة.

أما الآن وقد حدد السيد الرئيس موعداً جديداً فإن وزارة التربية مطالبة بأن تخرج العبقري الذي بداخلها لئلا تخلف التزامها مع السيد الرئيس.

الحديث ذو شجون ولعل المقام يضيق هذه المرة لنروي قصة: “امتحان تقييم مكتسبات مرحلة التعليم الابتدائي” الذي عَوَّض “امتحان شهادة نهاية مرحلة التعليم الابتدائي” المحذوف بزعم التخفيف على التلميذ الذي لا يتحمل نمط هذا الامتحان في هذه السن، لنؤجله لمقال قادم، أو لعل وزارة التربية ستتراجع عنه قبل أن نناقشه ذلك الراجح عندي والأصلح.

في الأخير أقول:

آن الأوان لأن تتصالح المدرسة مع مجتمعها وتستعيد ثقته فيها، وألا تكون عبءً مرعباً يثقل كاهل الأسر، يرهق التلاميذ ويحيل الآباء والأمهات إلى أساتذة فوق العادة رغماً عنهم… إن نظاماً تربوياً يصر على الاستمرار بهذه المواصفات محكوم عليه بالفشل لا مناص.

عندما يصبح تحديد الرزنامة التربوية (تواريخ انطلاق السنة الدراسي ونهايتها وتحديد العطل…)  ـ والتي يعتبر إرباكها جزء من الضغط على الأسر وتشتيت تراتيبها الزمنية ـ فعل عبقري يصنع الحدث والاثارة (السوسبانس)، فلا عزاء لنا إلا قول المتنبي:

                            على قدر أهل العزم تأني العزائم

                   وتأتي على قدر الكرام المكارم

                             وتعظم في عين الصغير صغارها

                    وتصغر في عين العظيم العظـــائم.

وللحديث بقايا…

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
آخر مستجدات قضية المدرب الجديد للخضرhttps://www.shihabpresse.dz/?p=173171
+ +