أعمدة الرأياقتصادعـــاجل

قراءة في أسباب تداعي قيمة الليرة التركية

أردوغان يعلن اليوم صراحة عن أهداف سياسته المالية و يقول بكل وضوح أن السبب وراء التضخم ليس ارتفاع سعر البضائع و لكن السبب هو الربا .


يقول أوردغان أن الكثيرين في العالم الغربي يعرفون ذلك و فهموه إلا البعض من مواطنينا الذين يرفضون الإعتراف بهاته الحقيقة و ذلك لأنهم بكل بساطة يشكلون حلقة من حلقات الإنتفاع في سلسلة النظام المالي العالمي.

في هذا التصريح تتأكد فلسفة أوروغان المالية و التي كرسها بوضوح الأسبوع الماضي من خلال خفض سعر الفائدة من 16 إلى 15 في المائة عكس كل التوقعات ، مما ساهم في انهيار آخر لليرة التي تجاوز سعرها عتبة ال 10,30 دولار كنتيجة لذلك.
تعتمد فلسفة أوردغان في مواجهة التضخم على سياسة الزيادة في الإنتاج و الإستثمار في الإقتصاد الحقيقي بدل اللجوء إلى رفع سعر الفائدة . لذلك يعتبر أن تهاوي الليرة غير مهم في اقتصاد إنتاجي لا مالي ، و هو ما يقود لمواجهة تهاوي قيمة العملة بمزيد من الخفض في سعر الفائدة بقيم مدروسة إلى أن يصل بها إلى نسب منخفضة لا تعيق الإستثمار مع وصول سعر الدولار إلى عتبة التوازن الفعلية مع سعر الليرة .

يستغل أوردغان سعر الليرة المنخفض في الدفع بمزيد من الصادرات و التي ستتجاوز قيمتها هذا العام و لأول مرة في تاريخ تركيا ال 200 مليار دولار . كما أنه يسعى لأن يدفع بالصناعة التركية لدخول مجالات ذات قيمة مضافة مرتفعة كالصناعات الدفاعية و الصناعات التكنولوجية من أجل الوصول بالميزان التجاري لتوازن أكبر ، و لما لا لتحقيق نسب إيجابية . كما أن سياسته في إعادة بناء مدينة اسطنبول المهددة بالزلازل و التي تقدر تكاليفها بحوالي 400 مليار دولار ، سيحاول أن يمول جزءا كبيرا منها من خلال تشجيع الإستثمار الأجنبي المباشر و الذي سيدفع بكثير من القطاعات الصناعية المتعلقة بقطاع البناء نحو الإنتعاش، خاصة و أن مدخلات صناعة البناء التركية قد تم توطينها بشكل كبير ، و هو ما يعني مداخيل كبيرة مقابل استنزاف أقل لموارد العملة الصعبة .
أما سياسة أوردغان الطاقوية فهو يدفع بها نحو مزيدا من الإستقلالية و يتحمل جراء ذلك الكثير من الرفض على المستوى الجوار ، خاصة و أن فاتورة استراد تركيا في هذا المجال تتعدى ال 45 مليار دولار التي لو صدقت الإكتشافات الأخيرة في البحر الأسود ستتقلص بنسبة مهمة، و هو ما سيعزز قيمة الليرة .

ساهمت النفقات الكبيرة على البنية التحتية و النمو السريع في نسبة الإستثمارات الخاصة في خلق طلب متزايد على القروض الأجنبية قصيرة الأجل ،و التي تشكل البنوك الأوربية أهم ممول لها ، في ارتفاع الدين العام . و أمام ضغط مواعيد السداد و تعثر بعض المشاريع من جراء الجائحة ، أصبح الطلب على الدولار أكثر إلحاحا ، و هو أهم سبب في انخفاض سعر الليرة إلى جانب ارتفاع فاتورة الطاقة و اعتماد الصناعة التركية على كثير من المدخلات المستوردة . و هذا ما يجعل أوردغان يعول كثيرا على الإكتشافات البحرية و على جاذبية بلاده للإستثمارات المباشرة بدل التعويل على المضاربة في السوق المالية و الخضوع لإملاءاتها . فمنذ 2014 و أوردوغان يسعى للإستحواذ على أسهم البنك المركزي التركي فانتقل بمساهمة الدولة فيه من نسبة 10 في المائة إلى أن وصل بها الآن إلى حوالي ستين بالمائة ، و هو ما يعطيه الكلمة العليا في توجيه السياسة المالية للدولة التركية.

تحاول الحكومة التركية أن تتخلص من تبعيتها للإقتصاد المالي من خلال التركيز على الإقتصاد الحقيقي ، و هي بالفعل حققت قفزة مهمة في هذا المجال سواء في ما يخص طبيعة الإستثمارات أو في ما يخص تنوعها ، فتركيا اليوم تملك استثمارات واعدة في المجال الزراعي و الصناعي و الخدمي و تمنح بيئة استثمارية مثالية ، و أهم ميزة فيها هي حرية حركة رؤوس الأموال التي لا تضع فيها أية شروط على المستثمرين من أجل نقل فوائد استثماراتهم حتى و إن سببت هاته السياسة لوزارة المالية الكثير من الصداع و جعلت قيمة الليرة المنخفضة تعطي الإنطباع للمستثمرين بأن الإقتصاد التركي يعاني ، و هو ما تنفيه الحكومة التركية من خلال إظهار أن قيمة العملة ليست هي المعيار الوحيد لقياس نجاعة أي اقتصاد في العالم و خاصة منها الإقتصاديات الموجهة نحو الإنتاج، و خير مثال على ذلك هي قيمة الين المنخفضة بالنسبة للدولار في دولة صناعية كاليابان من جهة و قيمة الدينار الكويتي أو الأردني المرتفعة من جهة مقابلة و هما دولتان غير صناعيتان.

بقلم المهندس :ههشام باي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: